السياسة: ترويض الوحش واحتواء “الغابة” فينا

أولا: حقيقة الصراع بين السياسة و قانون الغاب

بين شريعة الغاب ومنطق السياسة، تظل السياسة هي الخيار الأرحم والأكثر ابتكاراً في تاريخ البشرية. ففي خضم الصراعات السياسية، وحين تصدمنا السياسة ببراغماتيتها الفجة أو بتغليبها للمصالح الضيقة، يندفع الكثيرون لشتمها، معتبرين أننا بهذا السلوك “السياسي” الماكر قد عدنا إلى “قوانين الغاب”. لكن ما يفوت هؤلاء هو أننا، في واقع الأمر، نمارس قوانين الغاب بأكثر النظم المتاحة عدالةً ومجاليةً، بل إننا بالسياسة نُلطّف من حدة الافتراس الطبيعي الكامن فينا.

ثانيا السياسة كجهاز لضبط القوة

إن السياسة هي الطريقة الوحيدة التي تُخفف قساوة قوانين العيش الحقيقية، أي “قانون الغاب”. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن ننسى من أين أتينا؛ فنحن أحفاد أولئك الذين عاشوا وفق منطق القوة المحضة، إما بالتحيز لها، أو الاصطفاف معها، أو الانكسار أمام سطوتها. نحن، كبشر معاصرين، لسنا سوى ذكريات ومنتوجات مباشرة لحركة القوة في التاريخ. نحن نتاج توافق أجدادنا الذين أدركوا أن “حرب الكل ضد الكل” لا تُبقي ولا تذر، فقرروا جعل قانون الغاب محتملاً ومفهوماً عبر خلق “المجال السياسي”.

يقول الفيلسوف الإنجليزي **توماس هوبز** في كتابه “الليفياثان”:

“إن حالة الطبيعة هي حرب الكل ضد الكل، حيث تكون حياة الإنسان منعزلة، فقيرة، مقرفة، بهيمية، وقصيرة.”

ومن هذا المنطلق، لم تكن السياسة إلا ضرورة وجودية لتحويل “الافتراس الجسدي” إلى “تفاوض رمزي”. وبما أن السياسة “خَلق بشري” جديد في عمر التطور.فإن مفرداتها لم تكتمل بعد، وما زالت تعتريها شوائب المنشأ الأول (الغابة). ومن هنا يأتي الوهم الأخلاقي؛ فحتى أحياء عام 2026، لا يزال البعض منهم يطالب السياسة بأن تكون “أخلاقية” بالمطلق.متناسين أنها في الأصل “فن الممكن” وليست “فن الطوباوية”.

القانون الغاب والسياسة: جدلية الجوهر والمظهر

ليس على السياسة حرج؛ فهي لغة تأويلية للعيش المشترك، وأداة لتدبير الشأن العام، وبها يكون تدبير “الإنسان” ذاته. إنها المحاولة البشرية المستمرة لاستبدال “الأنياب” بـ “القوانين”، و”المخالب” بـ “المعاهدات”. لكن السؤال الفلسفي الحقيقي. الذي ينضج مع نضج التجربة الإنسانية، هو: إذا كانت قوة الغاب معك اليوم، فهل تتخلى عنها طوعاً لغيرك باسم المبدأ؟ وإذا ألفتَ القوة وتذوقت حلاوة السيطرة، فكيف سترى السياسة؟

السياسة كبديل للصراع الوجودي

يقول **كارل فون كلاوزفيتز**:

“الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى.”

 

بناءا عليه يمكننا قلب هذه المقولة لنقول: **“السياسة هي استمرار للغابة، ولكن بوسائل سلمية.“** إننا حين نتصارع داخل البرلمانات، أو نتحاجج في المحاكم، أو نتفاوض في أروقة الأمم المتحدة، نحن في الحقيقة “نحاكي” صراع البقاء القديم، لكننا نفعله تحت سقف القانون. السياسة هي التي تمنع القوي من أكل الضعيف “حرفياً”، وتجبره على محاولة إقناعه أو تهميشه “قانونياً”، وفي هذا الفارق البسيط تكمن كل “الرحمة” التي نتحدث عنها.

تأويل العيش المشترك: بين المصلحة والقيمة

ثم إن السياسة هي لغة تأويلية؛ بمعنى أنها تعيد تفسير الغرائز البشرية (حب التملك، السيطرة، البقاء) وتحولها إلى مفاهيم (الملكية، السلطة، الأمن القومي). وبما أنها لغة، فهي قابلة للخطأ والصواب، وللخداع والصدق. إن الذين يشتمون السياسة لأنها “قذرة” يرتكبون خطأً إبستمولوجياً؛ فهم يقارنونها بـ “الملائكية” بينما يجب أن يقارنوها بـ “الوحشية”.

إذا نظرنا إلى التاريخ البشري، سنجد أن أفظع المآسي لم تحدث بسبب “كثرة السياسة”، بل بسبب “غياب السياسة”. حين تصمت السياسة، يتحدث الرصاص، وحين يتحدث الرصاص، نعود إلى الغابة في صورتها الخام، حيث لا يوجد “حق” بل “قدرة”.

نضج القوة ونبل التدبير

وفي النهاية، يبقى السؤال حول “ألف القوة” هو التحدي الأكبر. إن السياسي الحقيقي هو الذي يدرك أنه يمتلك “قوة الغابة” في يده (عبر الجيش، المال، السلطة). لكنه يختار أن يمررها عبر “مصفاة السياسة”. إن التخلي عن القوة المطلقة لصالح المؤسسة هو أسمى فعل سياسي، وهو الذي ينقلنا من خانة “الأحفاد المذعورين من الغابة” إلى خانة “البشر الصانعين لمصيرهم”.

و من ناحية أخرى إن السياسة، مهما بلغت براغماتيتها، تظل هي السد المنيع أمام عودة “الغيلان”. إنها الاعتراف العلني بأننا لسنا حيوانات، حتى وإن كانت جذورنا تمتد في تربة الغابة. السياسة هي “النضج” الذي يجعلنا نقبل بالحل الوسط بدلاً من الفناء المشترك. وكما يقول **ماكس فيبر**:

“السياسة هي ثقب بطيء وقوي في ألواح صلبة، وهي تتطلب في آن واحد الحماس والحذر.”

لذا، لا تحزنوا من قسوة السياسة. بل احذروا من اليوم الذي تختفي فيه، لأننا حينها لن نجد قانوناً يشرح لنا لماذا نُؤكل، ولن نجد صوتاً يدافع عن حقنا في الوجود. السياسة هي “رحمة الضرورة”، وهي أرقى ما ابتكره العقل البشري لإدارة جنونه.

Underwood, Clarence Frederick ~ (American: 1871-1929) ~ “Distracted”

دمتم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *