
سفينة الحمقى وميتافيزيقا الغواية
على حافة بحرٍ لا يعرف الرحمة،
حيث تتكسّر الموجات كأنها أسنان وحشٍ جائع،
تجلس السِّيرينيات فوق الصخور السوداء،
شعورهن تتمايل مع الريح، وأعينهن تحمل سرًّا لا يبوح.
حين يقترب شراعٌ من الأفق،
تبدأ الأغنية…
أصواتهن ليست غناءً فحسب،
بل نهرًا من العسل الممزوج بالسُّم،
يلمس الروح قبل الأذن،
ويزرع في القلب شوقًا لا يطفئه إلا الاقتراب.
“تعالَ… سنريك ما لم تره عين،
سنفتح لك باب الحكمة المخبّأة بين طيات البحر،
سنمنحك لذّة لا يعرفها إلا من لمس الحقيقة”.
البحّارة، مثل فراشات حول نار،
يتركون دفّة السفينة تتأرجح،
عيونهم معلّقة بوعود لا يصدّقون أنها فخ.
وما إن يقتربوا حتى تعانق السفينة الصخور،
ويختلط صدى الغناء بصرخات الموت،
ثم يسود الصمت… إلا من الموج.
لكن أوديسيوس، المربوط إلى الصاري،
يصرخ شوقًا ولا يستطيع الفكاك،
عيناه تبتلعان الأفق الذي يبتعد فيه الغناء،
وقلبه يدرك أخيرًا:
أخطر الغوايات ليست تلك التي تدعوك للشرّ،
بل تلك التي تَعِدك بالجنة.

في تاريخ الفكر، كثيرًا ما جُسّد الإنسان في صورة مسافر على سفينة، تتقاذفه الرياح بين العاطفة والعقل، بين الغريزة والسمو. لكن “سفينة الحمقى” – كما عرّفها برانت في عمله الشهير – لم تكن مجرد مجاز للسخرية الاجتماعية، بل كانت تحذيرًا من الرحلة التي يقودها من لا يعرف إلى أين يمضي.
هنا، الغواية ليست فعلًا عابرًا من أفعال الرغبة، بل هي منظومة وجودية، طاقة تشبه ما وصفه نيتشه بـ”إرادة القوة” في صورتها الدنيا؛ قوة تحيا على استثارة الغريزة، لا على بناء المعنى.
الغواية كاستراتيجية وجود
الغاوية، في هذا السياق، ليست مجرد امرأة أو رجل يستخدم الجاذبية الحسية، بل هي كيان يتبنى – بوعي أو بغير وعي – استراتيجية للوجود عبر السيطرة على نقاط الضعف الإنسانية. تمامًا كما كانت سيرينا في ملحمة الأوديسة تغني بصوت يأسر البحّارة، فتقودهم إلى هلاكهم.
الغواية هنا ليست عريًا جسديًا بالضرورة، بل هي ما أسماه رولان بارت “لعبة الدال والمدلول”؛ حيث الإشارة قد تكون كلمة، نبرة، أو حتى صمت محسوب، يفتح الباب للرغبة دون المرور بالعقل.
البنية الفلسفية للغواية
الغاية: إثبات الوجود في عالم لا يمنح الاعتراف بسهولة.
الأداة: تحفيز الغريزة لتغييب النقد العقلي، كما وصف سبينوزا الانفعالات التي “تسلبنا القدرة على الفعل الحر”.
النتيجة: علاقة غير متكافئة، طرف فيها يعتقد أنه الممسك بزمام الأمور، بينما هو في الحقيقة مأسور.
الغاوية والأسطورة
كما التفَّ شعر ميدوزا حول أعناق من ينظر إليها، لتشله وتحوله إلى حجر، تلتف الغاوية حول فرائسها لا لتقتلها جسديًا، بل لتشل إرادتها. هي ليست ملكًا لأحد، بل كما كانت أفروديت، رمز الجاذبية المطلقة، “ملكًا للجميع ولا تخضع لواحد”.
الغواية في صورتها المظلمة تحترق وتحرق، إذ هي طاقة نار مستمرة – أشبه بجبل بركاني مغطى بالثلج – يعرف الجميع بدايته لكن لا أحد يتنبأ بنهايته. هي، كما في أسطورة بروميثيوس، تحمل نارًا ليست لها، تمنحها للآخرين، لكنها تظل مقيّدة بعقابها الخاص.

لكل أسطورة وجهًا آخر، للغواية أيضًا جوانب مشرقة يمكن أن تتحوّل فيها الجاذبية من أداة استهلاك إلى أداة إلهام، من دعوة للسقوط إلى دعوة للنهوض. عندها، يمكن أن تصبح الجاذبية الفنية أو الفكرية قوة تفتح أبواب الخلق، لا أبواب الأسر. غير أن هذا التحوّل لا يحدث إلا إذا تحرر الإنسان من سجن اللذة اللحظية، واستعاد إرادته الواعية.إن فهم الغواية على هذا النحو ليس مجرّد تمرين ذهني، بل هو وعي ضروري في زمن تتقاطع فيه المنصات الاجتماعية مع الغرائز البشرية كما لو كانت جزيرة كاليبسـو الرقمية، تُمسك بنا بأغانٍ وألوان وصور، بينما تترك رحلاتنا الكبرى مؤجلة إلى أجل غير مسمّى. والسؤال الفلسفي الأخير الذي يبقى مطروحًا:هل نحن مستعدون للقفز من السفينة، مهما كان البحر عاصفًا، كي نستعيد مسارنا نحو المعنى؟