
أبدأ معك عزيزي القارىء في هذه السلسلة بتقديم الأفكار الرئيسية للفلاسفة الذين شكّلوا طريقتنا في فهم الإنسان، والعالم، والمعنى. والغاية من هذه الكتابة ليست تلخيص تاريخ الفلسفة، بل فتح نوافذ صغيرة على الأسئلة الكبرى التي لا تزال تسكننا: من نحن؟ كيف نفهم ما نعيشه؟ وكيف نصوغ علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين؟
ولهذا، سأمرّ في كل مقالة على فيلسوف واحد، أقدّم سياقه الفكري، ثم أركّز على الفكرة المركزية التي ميّزت مشروعه، وكيف يمكن أن تساعدنا اليوم على قراءة واقعنا بطريقة أعمق وأهدأ.
بهذا المعنى، هذه السلسلة ليست عن الفلاسفة فقط، بل عن علاقتنا أنا و أنت بالفكر، وبالوعي، وبالقدرة على الفهم.
كيف يتشكّل وعينا عبر من فكّروا قبلنا
نحن نفهم الفلسفة بوصفها طريقة الإنسان في فهم نفسه والعالم. تظهر حين تتراكم الأسئلة، وحين يصبح الواقع أثقل من أن يُؤخذ كما هو. ومنذ بداياتها، انشغلت بما يشكّل الوجود الإنساني: الحقيقة، الخير، المعنى، حدود المعرفة، وشروط العيش مع الآخرين.
نحن نقرأ الفلاسفة كتمرين على تغيير زاوية النظر. فكل فيلسوف يفتح نافذة مختلفة، ويقترح علاقة خاصّة بيننا وبين العالم. لذلك تُوسّع الفلسفة مجال رؤيتنا، وتحرّك مناطق كانت ساكنة في وعينا.

نحن نفهم سقراط بوصفه لحظة انتقال التفكير من التسليم إلى المساءلة. لقد وضع الناس أمام أفكارهم، وجعلهم يرون تناقضاتها وحدودها. لم ينشغل بالكونيات، بل بالحياة اليومية، بالأخلاق، وبمعنى أن يعيش الإنسان حياة يمكن الدفاع عنها أمام نفسه.
الفكرة التي بقيت من سقراط تدور حول علاقة الإنسان بذاته: وعيه بما يعتقده، قدرته على مراجعته، واستعداده لتحمّل مسؤولية أفكاره.

نحن نقرأ أفلاطون بوصفه مفكّر المسافة بين ما يظهر للإنسان وما يفهمه. فقد صاغ تصورًا يرى المعرفة انتقالًا من مستوى الإدراك الحسي إلى مستوى الفهم العقلي. في هذا الانتقال، يتحوّل الإنسان من متلقٍ للصور إلى فاعل في بناء المعنى.
أسطورة الكهف تجسّد هذا التحوّل: خروجًا تدريجيًا من الاكتفاء بالمظهر إلى البحث عن البنية العميقة للأشياء.

مثلا، أنا أقرأ أرسطو بوصفه الفيلسوف الذي ركّز على العالم كما يُعاش ويُلاحظ. أراه يصنّف الكائنات، يدرس الحركة، اللغة، والمنطق، ويربط التفكير بالملاحظة الدقيقة.
في الأخلاق، أفهم معه الفضيلة بوصفها قدرة على اختيار الفعل المناسب في السياق المناسب.
بهذا المعنى، يصبح التفكير ممارسةً لتنظيم الواقع وتدبيرًا عقلانيًا للحياة.

أنتَ ترى في ديكارت فيلسوفًا بحث عن نقطة ثابتة في عالم متقلّب. وجدها في وعي الذات المفكّرة، التي أصبحت أساس بناء المعرفة ومصدر اليقين الأول.
ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الفكر، حيث يصير العقل الفردي مركز تنظيم العالم وفهمه.

أنت ترى في سبينوزا فيلسوفًا ينظر إلى الإنسان بوصفه جزءًا من نظام طبيعي شامل. تراه يدرس العواطف كطاقات تؤثّر في قدرتك على الفعل، لا كضعف يجب قمعه.
هنا، يمنحك الفهم تحرّرًا من الانجراف، ويحوّل الانفعال إلى وعي.
الحرية عند سبينوزا ليست انفصالًا عن الطبيعة، بل حالة عقلية تنشأ من المعرفة، وتُترجم في سلوك متزن.
نرى عند نيتشه فيلسوفًا وجّه انتباهه إلى القيم نفسها. نراه يدرس أصولها وتاريخها، ويتتبّع تأثيرها في تشكيل الإنسان. ونلاحظ أيضا أن كثيرًا من القيم السائدة تنشأ من الخوف، ومن الحاجة إلى الحماية، ومن الرغبة في السيطرة.
وتتركّز دعوته على مسؤولية الإنسان في خلق معاييره، وفي تحمّل نتائجها.

فوكو — كيف يتشكّل الإنسان داخل المعرفة والسلطة؟
نحن نقرأ فوكو لِنفهم كيف تتشابك المعرفة والسلطة في تشكيل الإنسان. نرى كيف تنتج المؤسسات والخطابات والمعايير أنماطًا محدّدة من البشر، وتُعرّف ما يُعتبر طبيعيًا، سويًّا، أو منحرفًا.
نحن لا نولد ذواتًا جاهزة، بل نتكوّن داخل شبكات غير مرئية من التنظيم والتوجيه، حيث تُعاد صياغة الجسد، والسلوك، والرغبة، والهوية وفق منطق السلطة والمعرفة.

نرى في فانون أيضا مفكّرًا نقل التفكير إلى مجال الاستعمار والهوية. نراه يدرس أثر السيطرة في النفس، وفي صورة الإنسان عن ذاته. ويبيّن أن الهيمنة تترك أثرها في اللغة، والذوق، والإحساس بالقيمة.
وفي هذا السياق، يصبح التحرّر عملية نفسية ورمزية ترافق التحوّل السياسي والاجتماعي.
